ابن رشد

84

الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة

التي تفعلها الإرادة لا لمكان شيء من الأشياء ( - لا من أجله ) أعني لا لمكان غاية من الغايات ، هي عبث ومنسوبة إلى الاتفاق . ولو علموا ، كما قلنا ، انه يجب من جهة النظام الموجود في أفعال الطبيعة أن تكون موجودة عن صانع عالم ، وإلا كان النظام فيها بالاتفاق ، لما احتاجوا أن ينكروا أفعال الطبيعة فينكرون جندا من جنود الله تعالى التي سخرها لإيجاد كثير من الموجودات بإذنه ولحفظها . وذلك أن الله تبارك وتعالى أوجد موجودات بأسباب سخرها لها من خارج وهي الأجسام السماوية ، وبأسباب أوجدها في ذوات تلك الموجودات وهي النفوس والقوى الطبيعية ، حتى انحفظ بذلك وجود الموجودات وتمت الحكمة ( ف : 224 - 226 ) . مما تقدم يتضح كيف أن ابن رشد يدافع عن العلم من داخل الدين وبواسطته ، وأيضا لفائدة فهم متفتح للدين وثوابته . إن مفهوم " الظاهر من العقائد " الذي يتمسك به ابن رشد ، بديلا عن تأويلات المتكلمين التي اتخذت شكلا وثوقيا دوغمائيا منغلقا ، مفهوم يدعو إلى الاقتصار في فهم النصوص الدينية على ما كان يفهم بها زمن النبوة بوصفها تقصد أول ما تقصد إلى " العمل " ، إلى غرس الفضيلة ، وليس إلى إعطاء تصور نهائي للكون وظواهره . إن ظواهر الكون يدرسها العلماء من أجل تحصيل معرفة برهانية بها . أما الدين فهو يتخذ منها وسيلة لتنبيه العقول والفطر إلى أنها ، وهي تجري بنظام وترتيب ، آية أو علامة على أن هناك صانعا صنعها ، وبالتالي العمل على أن تجري الحياة البشرية ، هي الأخرى بنظام وترتيب ، فلا تصادم ولا فوضى ولا جور ولا ظلم . وهكذا يكتشف ابن رشد أن " ظواهر النصوص " أقرب إلى العلم من تأويلات المتكلمين ، التي يعتبرها أصحابها الحقيقية النهائية التي يكفر كل من يخرج عليها ، مع ما يترتب من الحكم بالكفر من نتائج دينية وسياسية واجتماعية . 5 - من الدفاع عن العلم إلى الدفاع عن حرية الإرادة ونأتي الآن إلى مسألة " من أعوص المسائل الشرعية " حسب عبارة ابن رشد نفسه ، مسألة " القضاء والقدر " بالتعبير الديني ، ومسألة " الحرية " بالتعبير الفلسفي . وهي مسألة تتعارض فيها الآراء إلى درجة التكافؤ . فمن يجرؤ على التأكيد على أن الإنسان غير خاضع إلى درجة كبيرة لجبرية طبيعية لا تتخلف ولا ترحم ؟ ومن